محمود سالم محمد

151

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وظل تيار التصوف هذا يتنامي ويشتد مع مرور الزمن ، وتتضح أبعاده ، وتتشكل فلسفته الخاصة المعقدة ويتشعب إلى شعب كثيرة ، وفرق متنوعة ، أبقى بعضها على كثير من الأصل العربي الإسلامي ، وتطرف بعضها ، فجاء بأفكار جديدة على العرب وعلى روح الإسلام ، مما جعل الناس ينظرون إليهم نظرتهم إلى الزنادقة الخارجين عن الإسلام ، وجعل القائمين بالأمر يلاحقونهم ، ويقتلون من يتشدد في مذهبه ، ويرفض العدول عنه . وقد اتسع تيار التصوف اتساعا كبيرا في المرحلة السابقة للدولة المملوكية ، وظل على اتساعه طول العصر المملوكي كله لأسباب كثيرة ، منها الغزو الخارجي الذي كاد أن يعصف بالمسلمين ، واضطراب الأوضاع بسبب ذلك ، واصطلاح ذلك كله مع الكوارث الطبيعية والأوبئة على العرب المسلمين ، مما جعل كثيرا منهم ينصرفون إلى التصوف ، ويتخذه قسم آخر طريقا للهرب من الواقع الأليم ، وطلبا للأمان الروحي . وكان للمتصوفة أثر كبير في الفكر والثقافة ، وخاضوا معارك فكرية مع أهل السنة من ناحية ، ومع الفلاسفة من ناحية ثانية ، وأضحى كثير من أفكارهم وعباراتهم ، وطريقتهم في التعبير من مستلزمات الأدباء ، ومن الظواهر التي تتردد في أدب العصر المملوكي والعصر الذي سبقه . ومع ذلك لم يتفق الباحثون - على الرغم من ثراء التراث الصوفي - على تحديد مذهبهم ، وبيان طريقتهم ، لأن المتصوفة أنفسهم لم يظهروا كل ما عندهم ، وأحاطوا فكرهم بالغموض ، وعبّروا عنه بالرموز ، فلا يستطيع الولوج إلى عالمهم إلا كل من قطع شوطا كبيرا في اتباع طريقتهم . لذلك ظل الباحثون حائرين في فهم رموزهم ، بل لم يتفقوا على معنى محدد للتصوف ، فمنهم من ذهب إلى أنه مشتق من الصوف ، وهو اللباس الخشن للزاهدين المعرضين عن نعيم الدنيا ، ومنهم من ذهب إلى أنه مشتق من تسمية أهل الصفة من فقراء المسلمين ، الذين كان الرسول الكريم يجمعهم ويرعاهم ،